عثمان بن أبي بكر الدوني ( ابن الحاجب )

626

الإيضاح في شرح المفصل

أفعل التفضيل قال : صاحب الكتاب : « قياسه أن يصاغ من ثلاثيّ غير مزيد فيه ممّا ليس بلون ولا عيب » . إلى آخره . قال الشيخ : إنّما لم يصغ من المزيد فيه على الثلاثة لأنّه إن بقي على حروفه لم يمكن ، وإن حذف اختلّ ، فكره / لذلك ، وأمّا اللّون والعيب فقد اختلف في تعليله ، فقال قوم : لأنّه في الأصل أفعاله زائدة على ثلاثة ، فإذا أورد عليهم أدم « 1 » وشهب « 2 » وسمر وسود وعور أجابوا بأنّ أصله افعلّ وافعالّ ، ولذلك صحّت واو سود وعور لأنّها في موضع يجب فيه تصحيحها في التقدير « 3 » . ومنهم من قال : إنّما لم يتعجّب من اللّون والعيب لأنّها خلق ثابتة في العادة ، وإنّما يتعجّب ممّا يقبل الزيادة والنّقصان ، فجرت لذلك مجرى الأجسام الثابتة على حال واحدة « 4 » . والحقّ أنّه إنّما لم يتعجّب منه لأنّه يبنى منهما أفعل لغير التفضيل ، فكرهوا أن يبنوا منهما أفعل التفضيل فيلتبس « 5 » ، ولذلك فرّقوا بينهما في جمع التصحيح والتكسير ، فجمعوا كلّ واحد بجمع لم يجمع عليه الآخر ، وممّا يدلّ على ذلك أنّهم تعجّبوا من العيب إذا لم يكن له أفعل لغير التفضيل ، كقولك : « زيد أجهل من عمرو » ، ولم يتعجّبوا ممّا ليس بلون ولا عيب إذا كان له أفعل لغير التفضيل ، كقولك : أقنى « 6 » وشبهه من الحلى ، فهذه العلّة هي المستقيمة ، وينبغي أن يضبط بأن يقال : كلّ موضع ليس بلون ولا عيب ممّا لا يبنى منه أفعل لغير التفضيل ، لأنّه قد تبيّن أنّ كونه ليس بلون ولا عيب لا يحصل به الضّبط طردا ولا عكسا لصحّة قولهم : أجهل « 7 » وامتناع قولهم ، أقنى ، فإذا قصد إلى التعجّب من هذه الأشياء بني أفعل ممّا يصحّ بناؤه على حسب المعنى الذي

--> ( 1 ) « أدم : لأم وأصلح » . اللسان ( أدم ) . ( 2 ) « الشّهب والشّهبة : لون بياض يصدعه سواد في خلاله » . اللسان ( شهب ) . ( 3 ) ذكر المبرد هذا القول ولم يعزه ، انظر المقتضب : 4 / 181 ، وشرح المفصل لابن يعيش : 6 / 91 ، وشرح التسهيل لابن مالك : 3 / 45 ، وشرح الكافية للرضي : 2 / 213 . ( 4 ) صاحب هذا القول هو الخليل ، انظر الكتاب : 4 / 98 ، والمقتضب : 4 / 182 وشرح المفصل لابن يعيش : 6 / 91 . ( 5 ) بمثل هذا علل ابن مالك في شرح التسهيل : 3 / 45 . ( 6 ) « القنا : ارتفاع في أعلى الأنف واحد يداب في وسطه وسبوغ في طرفه ، يقال : رجل أقنى وامرأة قنواء » . اللسان ( قنا ) . ( 7 ) في ط : « أجمل » . تحريف . وبعدها في ط أيضا : « وأحمق » .